Founder of Prelude Magazine since 2012.   Farrah  Z. ALHashem

Founder of Prelude Magazine since 2012.  Farrah  Z. ALHashem

Salut..

Welcome to Prelude. An art Hub for those whose talents are hidden like secrets. 

قراءة في رواية نجمة المقهى لعواطف الزين

كتب الناقد والشاعر المبدع : محمد الدسوقي

حين تقرأ عن جنوب لبنان بقلم عواطف الزين ستتعرف كيف ترسم حياة أهله خاصة –ولبنان عامة – وكيف تقوّي شعورهم بالذات وتنمي وعيهم بذاتهم وبوطنهم معا ، وهذا الملمح – في رأيي- هو أبرز ما في رواية – نجمة المقهى – الأرض والتاريخ والبشر ، وفي القلب من كل هذا هناك من يثير الغبار على الحدود ، ولهذا فالقاريء للرواية سيجد في أهل الجنوب الرصيد الكافي من المشاعر المتطلعة للتغلب على صعوبة الواقع وتكراريته المملة ، وليس على الإنسان أقسى من شعوره بأن أمسه كغده ، ولهذا تجد أن مدخل الرواية وهو بعنوان الرحلة يشي بهذا المعنى ..وهو مفتاح الرواية كلها فتقول ” ذلك النهار كان مختلفا في أحداثه وتفاصيله ولون سمائه ، وشمسه المتوارية خلف الغيوم ، ثمة رياح وأضغاث ومطر تتشكل على غير هدى ، وترسم صورا رمادية باردة ، وقانطة للآتي القريب ، فانتقال هناء عابد الشاكر من الجنوب إلى بيروت لم يكن الأول ، ولن يكون الأخير ، فقد اعتادته مرافقة لأسرتها في حلها وترحالها ” … هكذا يعيش سكان الجنوب – لبنان – دائما في مهب القلق ، لدرجة اعتيادهم له ، وليس يخفى على أي متابع أن هناك أمكنة تحولت إلى معالم روائية مهمة بأقلام كُتابها ، وأعتقد أن جنوب عواطف الزين أصبح من هذه الأماكن ، ويعرف الذين يعرفون الجنوب جيدا ، والذين يتابعون كتابات ” عواطف الزين ” أن الجنوب يتواجد في قصصها ومقالاتها ودراساتها ،وأيضا متابعاتها الرؤيوية لأحداث ووقائع الجنوب بداية من معاناته من الإهمال ، أومن الاحتلال ، وحتى تاريخه المقاوم الذي هزم فيه إسرائيل ، فلا غرابة أن نجد رواية عواطف الزين الأولي ، وبتاريخها الطويل مع السرد ، مكتوبة عن الجنوب .

معجم الترحال ودلالته
——————–
بداية من الرحلة الأولي لأسرة عابد الشاكر يدرك القاريء أن الترحال حالة متكررة ، ومن خلال معاناة الارتحال هذه سيجد القاريء المواضيع متعددة ، وتمس الهموم الذاتية والعامة ، وتبدو حالة الارتحال هذه أشبه بالجسر الذي يربط بين الحلم والواقع ، بين الحقيقة والخيال ، بين الذات والعالم ، وتتكشف قوة النفوس وهشاشتها وهو ما سنحاول تلمس دلالاته ، والاشتغال عليه من خلال حالة التنقل المتكررة ، لشخصيات لا تقر في مكان ثابت ، أو حياة اعتيادية آمنة ، وهذا التنقل لا يكون منعزلا عن تكوين الذوات وتركيبها النفسي ، وتهيئتها وتهيُبها للمغامرة الدائمة ، وليس منعزلا أيضا عن باقي عناصر السرد ، وهو – أي السرد – في ذاته وتحولاته يؤثر في الشخصيات والأحداث وفلسفة حياتها ، وفي الأماكن التي ارتحلت إليها ، ومكوناتها السردية الأخرى كالشخصيات الجديدة الطارئة ، والعادات والتقاليد المختلفة ، والأحداث والوقائع الجديدة والطارئة التي تتحول إلى عناصر حكائية بامتياز في بناء الرواية ، وآثار ذلك في تركيبة الشخصيات وحيواتهم ، فالحياة في نجمة الصبح مثلا كما تقول الكاتبة في الفصل المعنون – نجمة الصبح ” تسير على سجيتها أو كما قدر لها أن تكون ” كما أن أهل القرية في حياتهم اليومية لهم حركة تكرارية لا تكف عن الدوران ، كما قدر لهم أيضا أن يكونوا فتقول الكاتبة ” يبدأ النهار بحركة ما تلبث أن تخفت حدتها عند الظهر ، وما أن يرتفع صوت المؤذن بعذوبة معهودة عند غياب الشمس حتى تهبط أبواب الدكاكين الحديدية الجرارة من عليائها واحدا بعد الأخر مثل لازمة موسيقية متتابعة على إيقاع واحد ” هذا الاعتياد في حياة القرية وحيوات من فيها ، بالضرورة يختلف عن حياة المدينة ومن يعيشون فيها ، ففي بيروت وفي حي النبعة الشعبي الذي استقر فيه عابد الشاكر وأولاده بعد ارتحالهم من القرية بحثا عن الحد الأدنى من الحياة الكريمة ، وبعد أن استطاع أن تكون له محلات تستقطب أهل الحي وزواره ، لدرجة أن الرصيف تحّول إلى مقهى يتوافد إليه الناس ، يلعبون الورق ويشربون الشاي والقهوة ويدخنون ويتحدثون في كل شيء ، وتتطور نقاشاتهم إلى نقاشات حادة تصل إلى التشابك بالأيدي بينهم ، فأحاديثهم تمزج بين أحوال المعيشة وبين السياسة وهمومها ، وهنا تبدأ الأمور في التغّير ، ويظهر الفرق بين حياة المدينة بما فيها من صخب وأحوال دائمة التقلب والتغيير ، وبين حياة الدعة والسكينة في القرية نجمة الصبح ، ويتجلى هذا التغيير حين تقع حادثة ، وهو ما يحدث غالبا مع كل انتقالة جديدة أو ارتحال مفاجيء لأسرة عابد الشاكر ، ففي ليلة من الليالي يقع شجارا بين ” الحسون زوج شقيقة هناء وبين مالك العقار الذي فيه محل عابد الشاكر ، ووسط الهرج والمرج والعصي والسكاكين تسقط ضحية أمام محل عابد الشاكر ، وهو ما يدفع عابد الشاكر إلى الرحيل هو وأسرته بعيدا عن المنطقة كلها في جنح الظلام إلى مكان أخر من المدينة ، وهكذا نجد معجم الترحال ودلالته وتأثيره على السرد ومكوناته واضحة وضوحا جليا في بناء الرواية وشخوصها القلقة والمؤرقة التي تبحث عن نفسها ولم تجدها بعد ، وهذه الأحداث العارضة هي التي تنطوي على طريقة الكاتبة في معالجة حكاية عابد الشاكر وأسرته ، فهي ومن خلال تتابع حكايات أسرة عابد الشاكر وتجاور هذه الحكايات ومنمنماتها الصغيرة التي تتداخل فيما بينها هي التي تصنع حالة الأسرة ووقائع حياتها كلها ، فيما يشبه اليوميات ، ولكنها من خلال هذه اليوميات تدرك عنصر التضاد في الأحداث والوقائع لإحداث التغيير ، أو المفارقة التي تحّول حياة أسرة عابد الشاكر من حالة إلى حالة ، أو من واقع إلى أخر ، ولعل أهم ما في أسلوب عواطف الزين وطريقة تناولها لحكاية أسرة في جنوب لبنان أنها جعلت الواقع حالة روائية ، وبمعنى أخر جعلت الرواية صدي حقيقي للواقع المعاش ، وبلغة بسيطة ، تميل إلى التعبير الحي المباشر ، والانفعال الصادق ، والرؤية البكر لحياة تمتليء بتفاصيل إنسانية غاية في العمق والتفصيل .

عنوان الرواية ودلالة الأسماء
————————–
لعل أهم ما لفت نظري في الرواية هو عنوانها ، لمفارقته مع مضمونها شكلا ، فالعنوان – نجمة المقهى – يشير إلى دلالة المقهى وتنوع البشر فيه ، كما يشير إلى أن من يرتادونه ، عوالمهم مختلفة ، وان كانوا يتواجدون في مكان واحد ، وقد يكون هو الشكل الرمزي للمكان الذي يعيش فيه أهل الجنوب ، ويمكننا أيضا أن نقول أن عنوان ” نجمة المقهي ” صدى للواقع ، أو المعادل الموضوعي لقرية ” نجمة الصبح ” التي تنتمي إليها أسرة عابد الشاكر التي تبدو فيها – هناء – نجمة الأسرة وراوية حياتهم ، أي أن العنوان له أكثر من دلالة – صحيح المقهى هو المقهى بلا شك ، ولكن المقهى كما تريده الكاتبة في روايتنا لم يعد بذات المعنى ، فقد أصبح مثقلا بتوظيفه الذي يلحقه بالقضايا الإنسانية في المجتمع ، وأيضا بحالة عدم الاستقرار ، فالمقهى يشبه الترانزيت ، أو الاستراحة ، وهذا كله مرتبط بالسرد ، الذي يتحدد بموضوعه ومادته ، وهو ذات ما لعبته الكاتبة أيضا في اختيار أسماء أبطال روايتها بداية من هناء الراوية ، فالظروف المحيطة بهناء مثلا ، وبأسرتها ليست ظروفا هانئة ، ولكن الكاتبة اختارت أن يكون اسم هناء مفارقا أيضا لما تعيشه من أحداث ، وربما كان اختياره دالا على أن هناء الوحيدة التي نجت من المعاناة المتكررة لأعضاء أسرة عابد الشاكر ، فيما يجيء اسم الأب عابد الشاكر بدلالات أخرى أهمها انه زاهد وعامل ولا يشكو رغم الانكسارات المتتالية ، ومن خلال السرد سنجد دلالة اسم راضي شقيق هناء ، فكما هو واضح من سمات شخصية راضي أن هناك ارتباطا قدريا بين الكائن الإنساني واسمه فهو شخصية رومانسية ، حكاياته مع الفتيات غالبا ، مجرد أحلام جميلة ، فهو كما تقول الكاتبة ” يتقن تماما كتم المشاعر ، فتكتسب العلاقة – بينه وبين أي فتاة – غموضا وبعدا إنسانيا لا ينزلق إلى منابع الشهوة مهما بلغ اشتداد حضورها في القلب أو العقل ” ولهذا يمكن لقاريء رواية عواطف الزين أن يتخذ من أسماء الشخصيات شفرات لفك النص وتحليله ، ومن المؤكد أنه سيجد أن حالة التناغم بين الشخصية واسمها له علاقة مباشرة بشكل الأحداث وتتابعها ..

سرد الحكاية وبناء الرواية
————————
تحكي لنا الرواية عن أسرة جنوبية تتنقل وفق الظروف المحيطة بها بين الجنوب وبيروت ، ويشير هذا التراوح بين زمكانين – ان صح التعبير – إلى حالة عدم استقرار ، فتبدأ الكاتبة كراوية على لسان هناء في تجليّة همومهم الذاتية والعامة في فترة الستينات والسبعينيات للتدليل على حالة الانتماء المأزوم التي يعيشها الوطن اللبناني بشكل عام ، هناء بطلة الرواية إذن ، هي رمز الوعي في هذا التكوين الجنوبي ، وتبدو وكأنها هي ” الكاتبة ” تروي بعضا من سيرتها الذاتية ، وما نقوله هنا ليس محاولة منا للربط بين ما تقصه ” هناء” في نجمة المقهى ، وما نظنه السيرة الذاتية للكاتبة ، فالذي شدنا إلى هذا هو أن كل كتابة – من المؤكد – فيها طرف من حياة صاحبها ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى وجدنا أن طريقة كتابة الرواية اعتمدت على مستويين من السرد ، الأول .. سرد الحكاية وهو أبسط تعريف للسرد ، وهو أفضل وسيلة يمكن بواسطتها أن تروي قصة ، والمؤكد أن هذه الوسيلة تختلف من سارد إلى أخر ، وأيضا تختلف من الحكاية إلى الرواية ، فسرد الحكاية يعتمد على تتابع أحداث الرواية الأفقية ، وكأنه بوح ذاتي أو ما يشبه أدب الاعتراف ، وهو تعبير دقيق عن شكل الحكاية التي تسوقها الراوية الداخلية إلى قارئها في نجمة المقهى ، والثاني هو السرد الروائي الذي يلعب على القطع والوصل ، والارتداد ، والمنولوج الداخلي ، والتصوير والخيال ، وما إلى ذلك من تراكيب وتشبيهات ، وهو ما تقوم به الراوية المهيمنة – الكاتبة – على الراوية الضمنية – هناء- ولا يمكن تحديد أهمية السرد في أية كتابة بالموضوع الذي يعالجه السارد ، ولكن من خلال الشكل الذي يتبناه لكتابة الموضوع وسرده ” فالخصيصة المميزة للسرد الفني هي تحويل الكلام ، من الكلام العادي إلى شكل أو صورة ، فقول الكاتبة – مثلا – عن هدير الحافلة التي تنقل عابد الشاكر وأسرته من الجنوب إلى بيروت بأن له دلالات خاصة .. بقولها ” كأنه جرس إنذار للبحث عن مخرج ” هذا التعبير ليس مجرد وصف للآلة وهدير صوتها بأنه جرس إنذار، بل للإشارة إلى معاناة الناس الذين تقلهم الحافلة ، وكأن هديرها يعد نوعا من الصراخ أو الاستغاثة تلك التي تتكتم عليها صدور بشر ضاقت بهم الحياة – ولهذا فاللغة العادية – سرد الحكاية – لا يمكن أن يفي بالمعنى ، وسيجيء هشا ، لو لم تلحقه الكاتبة بالسرد الفني القابل للتأويل ، متعدد الدلالة ، أي أن الحالة التي عليها ركاب الحافلة ، يجب أن تتماهى مع الحالة السردية التي تجيء عبر أسلوب الكاتبة وراويتها الضمنية للأحداث . وبعد ، فالمتابع الجيد للمشهد الروائي العربي سيدرك أن الرواية وصلت إلى مرحلة مهمة جدا من الوعي الفني ، للدرجة التي تنوعت فيها تقنيات العمل الروائي ، وبات كل كاتب يشكل عالما خاصا به ، ويبدو أن رواية ” نجمة المقهى ” للكاتبة : عواطف الزين .. تؤكد هذا المعنى ، فنحن بإزاء تركيبة روائية تبدو وكأنها كلاسيكية ، في جانبها الفني والإنساني ، لكنها مغزولة بعناية فائقة ، فقد اعتمدت الكاتبة على أسلوب التفصيل لتتأمل أحوال جنوبها اللبناني ، ولتعبرعن فلسفة وجوده ومغزاه ، وكأن الجنوب هو العالم ، أو المعادل الروائي له ، وهي مهمة جليلة للفن لو تعلمون .

شارك هذا الموضوع:

غلاف الرواية.jpg
 بتاريخ ٣/٤/ ٢٠١٦ مقابلة لم تنشر - من اسرار بيروت

بتاريخ ٣/٤/ ٢٠١٦ مقابلة لم تنشر - من اسرار بيروت

قصة مش مكتوبة في الكويت

قصة مش مكتوبة في الكويت