Founder of Prelude Magazine since 2012.   Farrah  Z. ALHashem

Founder of Prelude Magazine since 2012.  Farrah  Z. ALHashem

Salut..

Welcome to Prelude. An art Hub for those whose talents are hidden like secrets. 

جودار وبغدادي التقيا... لم يلتقيا..

جودار وبغدادي التقيا... لم يلتقيا..

 

 

 

نظر جان لوك جودار من نافذة مقهى- ماتيير- الزجاجية الضيقة المطلة على -السيكريكور- التي تظهر فيها باريس الماطرة كمدينة حالمة ٫ وخلال لحظات اصطدمت نظراته بمارون بغدادي.

كان بغدادي طويل القامة اسمر اللون يرتدي قبعة رمادية تتناغم مع معطفة الرمادي الطويل٫ وما ان وقع نظره على جان لوك حتى بادره.. قائلا

بونجور جان لوك، عفوا لقد تاخرت قليلا عن الموعد  عندما هممت بالمجيء اتتني مكالمة من بيروت لتتساقط الدقائق" وتنصهر الثواني ويمر الوقت سريعا٬٫  اجابه جان لوك قائلا٫ هل انتهيت من تصوير فيلمك بيروت يا بيروت ؟ ساله بحماس وفي هذه الاثناء بدا بغدادي منغمسا في نفض رذاذ المطر عن قبعته وملابسه ثم خلع معطفه الصوفي وسلمه الى النادل الذي انحنى قليلا واخذه ليعلقه اما قبعته فوضعها على الطاولة الخشبية امامه والتي تحوي اجندة جودار مع قلم حبر اسود بشريطة حمراء.

كان المقهى مكتظا بالوجوه والناس والفحيح. حاول جودار اغلاق النافذة الصغيرة ولكن كلما حاول اغلاقها قاومته وهبت رياح باردة تتناغم مع ما يختلج في نفسه من تصادم افكار بعد انجازه لفيلمه التسجيلي -رقم اثنان -مع زوجته ان ماري ميفييل. 

لم يستطع بغدادي اشاحة نظره عن قبعته التي بدت رطبة بعض الشيء تشبه المكالمة الاخيرة التي جاءته من بيروت٫ في تلك اللحظة قرر ان يتحدث عن المدينة التي تشغله ويشغلها.

كان جودار ينتظر حديثه ليصغي اليه باهتمام بينما تباطات انفاسه بعض الشيء ٫ اقتحم النادل خلوة الصديقين وسال كل منهما عن رغبته في شرب القهوه او اي مشروب آخر. قرر الاثنان بكلمة واحدة “اسبرسو من فضلك”.

عاد الصمت الى المكان وبدت المشاعر في عيني بغدادي تتحدث عن نفسها وهو يصف الصورة القاسية التي تعيشها بيروت فقد اجتاحت الاحزاب السياسية عددا من المناطق اللبنانية وتم تقسيم المدينة الى بيروتين غريبة وشرقية واصبح لكل شارع طائفة ومسلحون وتوقف السينمائىون عن تصوير افلامهم ولكنه اكمل تصوير فيلمه الذي انهاه قبل الحرب الاهلية بايام قليلة ثم اكمل حديثه وهو يرتشف فنجان قهوته وقال انه ياتي الى باريس للاختباء بعيدا عن بيروت.

ووجه كلامه الى جودار قائلا: كم اتمنى يا جان لو استطيع ان احمل شوارع بيروت في حقيبتي واحضرها معي الى هنا لكنني اشعر بالعجز وبعدم القدرة على انقاذ تلك المدينة البائسة.

تناول جودار رشفة من فنجانه ثم ساله بالم عن ماهية قصة الفيلم القادم وهل ستحمل شيئا من هذا الواقع الاليم٫ لكن بغدادي لم يستطع الكتابة او التركيز في تلك المرحلة التي اعقبت بداية الحرب الاهلية فهو يعيش في حالة من التلاشي والضياع “اجاب باقتضاب  ٫علاقتي مع بيروت معقدة للغاية.” 

فقاطعه جودار قائلا “تستطيع ان تنجز فيلمك من دون اي نص مكتوب فالواقع هو نصك لماذا لا نسافر سويا الى بيروت وننجز هذا الفيلم معا؟ بعد تفكير عميق لم يستسغ مارون الفكرة بسبب الحرب الشعواء والاوضاع الصعبة التي تعيشها المدينة ولا يريد ان يتحمل مسؤولية وجود جودار معه في هذه الرحلة المغامرة.

لم يقتنع جودار بالسبب ولكن مارون بدا مرهقا وادمعت عيناه قليلا وحاول ان يغير الحديث واذ باصوات مظاهرة طلابية تملآ الشارع مطالبة بالعدل والحرية والديمقراطية والعيش من دون حواجز دينية وسياسية . ابتسم كل من  بغدادي وجودار معا.

نظر كل واحد منهما الى وجه الاخر وفجاة غادرا مقعديها والتحقها بالمظاهرة الحاشدة التي تضم الاف الطلبة.

ارتفع صوت جودار وهو يقول اريد ان اخبرك باسرار عدة لم اخبرها لاحد ولا حتى لزوجتي ماري ان.  كل فيلم في حياتي  هو بمثابة دليل على وقائع حصلت ومشاعر واحاسيس خرجت من ذلك العضو الذي يضخ بالدم في ارجاء الجسد هناك من يقول ان المشاعر منفصلة عن المنطق ولكنني ارى ان هناك توافقا وتجانسا بين عملية الاحساس والتفكير فكلاهما جزء لا تجزآ من الاخر. 

 

هناك من يعتقد بان افلامي هي افلام اكاديمية صعبة الفهم ولا تمت للمشاعر بصلة وكل من يؤمن بتلك النظرية اؤكد لك يا مارون بانه فاشل لان افلامي منذ بداياتي في اوائل الستينات وحتى هذه اللحظة مرتبطة ارتباطا قويا بحياتي اليومية وتفاصيلها  وعلاقاتي العاطفية الفاشلة اوالناجحة منها.  لا اعلم عن مصير حياتي السينمائية فيما بعد ٫ فعلاقتي مع ماري ان غريبة بعض الشيئ . لا زلت افتقد انا كارينا فهي كانت توام روحي خلف العدسة.

يقاطعه مارون معلقا بان فيلمه -منقطع النفس- كان رائعا فقد كسر القواعد السينمائية الهوليودية٫  ابتسم جودار ثم اجاب بان لا قواعد سينمائية وان من اوجدها اراد ان يخلق حواجز نفسية للسينمائيين .

 القواعد هي وهم نخلقه نحن البشر نحاول ان نقنع انفسنا بانها الطريقة الصحيحة لانجاز فيلم ناجح ولكن ما هي خصائص  الفيلم الناجح برايك يا مارون؟ 

شق مارون طريقه بروية بين شبان وشابات المظاهرة فيما كان جودار يلتقط بعض الصور بكاميرا بيلارد بولكس اليدوية ثم ازاح العدسة ووقف في منتصف المظاهرة بجانب مارون قائلا بان السينما عبارة عن كتله من المشاعر فقط لا غير.

هناك الكثير من علماء الادب والاجتماع يرفضون فكرة تحويل المشاعر الى فكرة علمية علما بان صورة نقل الدم من القلب ومنها الى الدماغ عبر شرايين واوردة موزعة في انحاء الجسم تكاد تكون صورة شاعرية.

لطالما اعتبرت ان هذه العملية التي يشترك فيها القلب والعقل سويا من اجل انعاش اجسادانا وابقائها على قيد الحياة. هي تماما مطابقة لما احاول ان افعله من خلال السينما في تعاملي مع الواقع. توقف مارون عن المشي قليلا لم يسنطع اكمال طريقه في احد شوارع مونماتر. 

نظر الى جودار نظرة تامل فوجده يعبث بعدسته يحاول ان ينطقها ويتركها لتقول ما لم يستطع قوله ثم علق مارون قائلا “ بيروت مدينة تحب الحياة ولكنها مدينة لحظية مؤقتة يلفها الحزن وتكاد تسرق لحظات فرحها عنوه ثم اضاف اشعر بان بيروت لن تخرج من حزنها بسهولة.”

نظر جودار الى رفيقه بعينين ساهمتين وقال “ كم جميلة علاقة السينما بالمدينة انها علاقة حميمة معقدة وصعبة في ان واحد.” 

ارغب بان تشبه افلامي ضربات قلبي بارتفاعها وهبوطها. رفع جودار الكاميرا في وسط الشارع وبين المارة ووجهها نحو مارون ليلتقط عددا من الصور الفوتوغرافية من رغم تسمر مارون في مكانه تحت تلك القبعة الرمادية ودخان سيجارته يخفي ملامح وجهه الاسمر.

اكمل جودار وبغدادي طريقهما في الاتجاه المعاكس للمظاهرة الشبابية حتى اختفت ظلالهما بين المباني العتيقة.

رنين الهاتف الذي يملا ضجيجه المكان افقدني انتباهي لتغيب صورة الصديقين عن مخيلتي لكنني اكاد اسمع وقع اقدامهما وانتبه الى انني مازلت اعيش هذه اللقاء الذي لم يحدث في الواقع. لكن ارتقاء المشاعر وتشابه الافكار والرؤى بين المخرجين جعلتهما يتقابلان في مخيلتي لاغادر بدوري - مقهى ماتيير- واتوه في ضجيج الشوارع. 

نشر في مجلة البيان الكويتية يناير ٢٠١٧

محطة “الشاتليه” 

محطة “الشاتليه” 

Le Pont Traversé Bookshop in Paris:  Another Paris waiting for you inside

Le Pont Traversé Bookshop in Paris: Another Paris waiting for you inside